الْعِلْمُ: مَفْهُومُهُ وَأَهَمِّيَّتُهُ
الْمُقَدِّمَةُ (الْخُطْبَةُ الرَّاتِبَةُ)
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَعِزَّاءُ، وَالأَخَوَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ الْمُبَارَكِ، أُحَيِّيكُمْ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ، سَنَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْضُوعٍ هُوَ عِمَادُ الدِّينِ، وَأَسَاسُ النَّجَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ مَوْضُوعُ: الْعِلْمُ مَفْهُومُهُ وَأَهَمِّيَّتُهُ
أَوَّلًا: مَفْهُومُ الْعِلْمِ فِي الإِسْلَامِ
إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الْعِلْمُ؟ فَالْعِلْمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: نَقِيضُ الْجَهْلِ، وَهُوَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.
أَمَّا فِي الاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ، فَالْعِلْمُ لَهُ مَعْنَيَانِ
الْمَعْنَى الْخَاصُّ: هُوَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ، أَيْ مَعْرِفَةُ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ دِينِهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَدِلَّةِ
الْمَعْنَى الْعَامُّ: هُوَ كُلُّ عِلْمٍ يَنْفَعُ البَشَرِيَّةَ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ مِثْلَ: الطِّبِّ، وَالْهَنْدَسَةِ، وَالْفِيزِيَاءِ، وَالاقْتِصَادِ، بِشَرْطِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ فِي الْخَيْرِ لَا فِي الشَّرِّ
وَالْمَقْصُودُ الأَوَّلُ فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ كَلِمَةِ “الْعِلْمِ” هُوَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُصْلِحُ الْقَلْبَ وَالْعَمَلَ، وَيُقَرِّبُ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ
ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ الْعِلْمِ وَأُرْجُنْسِيَّتُهُ (مَكَانَتُهُ فِي الإِسْلَامِ)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ لِلْعِلْمِ أَهَمِّيَّةً بَالِغَةً فِي دِينِنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ نُلَخِّصَ هَذِهِ الأَهَمِّيَّةَ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ
الْعِلْمُ هُوَ أَوَّلُ أَمْرٍ فِي الإِسْلَامِ
لَوْ تَأَمَّلْنَا كَيْفَ بَدَأَ هَذَا الدِّينُ، لَوَجَدْنَا أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارِ حِرَاءَ لَمْ تَكُنْ “صَلِّ” وَلَا “صُمْ” وَلَا “جَاهِدْ”، بَلْ كَانَتْ: “اقْرَأْ”. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَلَقِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
هَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ دِينُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلَا يُمْكِنُ لِلأُمَّةِ أَنْ تَنْهَضَ إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ
الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
لَا يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ عَلَى جَهْلٍ. فَالْعِلْمُ هُوَ الَّذِي يُصَحِّحُ الْعِبَادَةَ. لِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي صَحِيحِهِ: “بَابُ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ”، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
فَبَدَأَ اللهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ قَبْلَ الِاسْتِغْفَارِ وَالْعَمَلِ
الْعِلْمُ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
الْعِلْمُ يُعْطِي الإِنْسَانَ قِيمَةً وَمَكَانَةً عَالِيَةً، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
وَالْعَالِمُ لَيْسَ كَالْجَاهِلِ أَبَدًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
الْعِلْمُ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ
مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ، فَقَدْ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى أَعْظَمِ مَطْلُوبٍ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
ثَالِثًا: ثَمَرَاتُ الْعِلْمِ وَآثَارُهُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
إِذَا انْتَشَرَ الْعِلْمُ فِي الْمُجْتَمَعِ، تَحَقَّقَتْ ثَمَرَاتٌ عَظِيمَةٌ، مِنْهَا
خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى: فَالْمَعْرِفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تُورِثُ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ وَتَعْظِيمَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
بَقَاءُ الأَثْرِ بَعْدَ الْمَوْتِ: يَمُوتُ الإِنْسَانُ وَيَنْقَطِعُ عَمَلُهُ، إِلَّا العَالِمُ فَإِنَّ عِلْمَهُ يَبْقَى نُورًا لِلنَّاسِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
حِمَايَةُ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْفِتَنِ وَالْخُرَافَاتِ: بِالْعِلْمِ يُمَيِّزُ النَّاسُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
الْخَاتِمَةُ وَالدُّعَاءُ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِلُ، إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ لَيْسَ نَافِلَةً فَقَطْ، بَلْ هُوَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ. فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُخَصِّصَ وَقْتًا فِي حَيَاتِنَا لِتَعَلُّمِ دِينِنَا، وَلِحُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ، وَأَنْ نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا وَأَهْلَنَا
نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَرْزُقَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا
اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا. اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ